وتصبح هذه المقاربة أكثر ووضوحًا إذا استعنا بأفكار عالم الاجتماع الأمريكي هوارد بيكر، ولا سيما كتابه عوالم الفن (Art Worlds)، الذي يعد من الأعمال الأساسية في علم اجتماع الفن. فبيكر يرفض النظر إلى العمل الفني باعتباره نتاج عبقرية فردية منعزلة، ويركز بدلًا من ذلك على الفعل الجماعي وعلى شبكة التعاون التي تجعل إنتاج العمل الفني وتداوله واستقباله ممكنًا. ويضم «عالم الفن» عنده الفنانين والمؤدين والمساعدين التقنيين والموزعين والنقاد والجمهور وغيرهم من المشاركين في العملية الفنية.

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال السوسيولوجي حول كاظم الساهر لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا نجح كاظم الساهر؟ وإنما سؤالًا أكثر تركيبًا: كيف تشكل عالم فني كامل حول كاظم الساهر، وكيف ساهم هو بدوره في إعادة تشكيل هذا العالم؟

* من الفنان الفرد إلى عالم الفن

ينطلق بيكر من فكرة أساسية مفادها أن العمل الفني لا يظهر من العدم، ولا يصنعه الفنان وحده. فهناك شبكة من الأشخاص والموارد والمعارف والقواعد المتعارف عليها التي تجعل إنتاج العمل الفني ممكنًا. كما أن التعاون بين هؤلاء المشاركين لا يحدث بصورة عشوائية، بل يستند إلى ما يسميه بيكر «التقاليد أو الأعراف الفنية»، أي المعرفة المشتركة التي تسمح لأعضاء عالم الفن بأن يفهم بعضهم بعضًا وأن يعملوا معًا.

وإذا نقلنا هذا التصور إلى تجربة كاظم الساهر، فإن الأغنية الساهرية لا يمكن فهمها بوصفها نتاج صوت منفرد. وراء الأغنية نجد الشاعر، والملحن، والموزع، والعازفين، والمهندسين، والاستوديو، وشركة الإنتاج، والمصور، والمخرج، والإذاعة والتلفزيون، والصحافة، والمنصات الرقمية، ومنظمي الحفلات، ثم الجمهور الذي يستمع ويصفق ويتفاعل ويتذكر ويعيد نشر الأغنية. وهكذا تصبح الأغنية نقطة التقاء شبكة اجتماعية كاملة.

* كاظم الساهر مركز الشبكة الفنية وليس فردًا منعزلًا لا يعني ذلك أن الساهر مجرد عضو عادي في هذه الشبكة. على العكس، تكمن أهمية تجربته في أنه تحول تدريجيًا إلى مركز رمزي شديد القوة داخلها، وهو من يدير الفاعلين الفنيين بهذه الشبكة، وفقا لرؤيته، فحين نتحدث عن مشروعه الغنائي، فإننا لا نتحدث عن أغنية منفردة أو مرحلة زمنية محددة، وإنما عن تراكم طويل من الأعمال والعلاقات والخبرات والاختيارات الفنية التي أصبحت مرتبطة باسمه. فالشاعر يقدم النص، والموسيقي يشارك في تحويله إلى بنية صوتية، والعازفون يمنحونه الحياة، والتسجيل يحفظه، والإعلام ينقله، والحفل يعيد إنتاجه أمام جمهور حي، والجمهور يمنحه معنى جديدًا من خلال تجربته الخاصة. لكن اسم كاظم الساهر يبقى في مركز هذه العملية. وهنا يمكن القول إن الساهر تحول من منتج للأغنية إلى منظم وممثل لعالم فني كامل.

* الأغنية الساهرية بوصفها عملًا جماعيًا لنأخذ، مثلًا، الأغنية التي تبدأ حياتها كنص شعري. قبل أن تصل إلى أذن المستمع، تمر بعدة عمليات: اختيار النص، تحديد طريقة تقديمه، وضع اللحن، توزيع الآلات، التسجيل، الإنتاج، ثم النشر والترويج والأداء الحي. كل مرحلة تضيف شيئًا إلى العمل. ولهذا فإن «الأغنية» التي يسمعها الجمهور ليست بالضرورة مجرد القصيدة التي كتبها الشاعر، ولا مجرد اللحن الذي وضعه الملحن، ولا مجرد الصوت الذي يؤديه الساهر. إنها حصيلة سلسلة من العمليات التعاونية. وهذا تحديدًا هو المنظور الذي يجعل نظرية بيكر مفيدة جدًا لدراسة كاظم الساهر، فالعمل الفني يصبح نتيجة لتفاعل عدد كبير من المشاركين، يديرهم الفنان نفسه.

ومن هنا يمكن إعادة صياغة السؤال: من صنع الأغنية الساهرية؟

في حالة الفنان كاظم الساهر، يمكن القول إن إحدى أهم خصائصه تتمثل في قدرته على جمع عناصر مختلفة داخل مشروع فني له ملامح يمكن التعرف إليها. فهو يجمع بين:

الشعر والغناء

الفصحى والأغنية الجماهيرية

التلحين والأداء

الأوركسترا والمسرح

الأغنية العاطفية والأغنية الوطنية

التراث والحداثة

الفنان العراقي والجمهور العربي الأوسع

وهذه القدرة على الجمع بين عناصر متعددة هي التي تسمح لنا بالنظر إلى مشروعه بوصفه نظامًا فنيًا متكاملًا وليس مجموعة من الأغاني المنفصلة.

* الأعراف الفنية وصناعة الأسلوب الساهري

من أهم أفكار بيكر أيضًا مفهوم الأعراف أو الاتفاقات الفنية (Conventions). فالمشاركون في عالم الفن يتقاسمون معارف وقواعد تساعدهم على إنتاج أعمال يفهمها الآخرون ويتوقعون شكلها وطريقة تقديمها. وهذه الأعراف لا تكون دائمًا قوانين مكتوبة، بل تتشكل من الممارسة والتعاون المتكرر. وهنا يمكن أن نسأل: هل توجد أعراف يمكن تسميتها «الأسلوب الساهري»؟ من الممكن دراسة ذلك من خلال تكرار مجموعة من الخصائص عبر مشروعه، مثل:

مركزية الشعر والحضور القوي للكلمة

الاهتمام باللحن والتوزيع الموسيقي الواسع

أهمية الأداء المسرحي والتركيز على التعبير العاطفي

العلاقة القوية بين الصوت والجملة الشعرية

إعادة تقديم القصيدة الفصحى في فضاء جماهيري واسع

ومع تكرار هذه العناصر، لا يعود المستمع يسمع أغنية منفردة فقط، وإنما يستطيع أن يتعرف على هوية فنية مرتبطة باسم الساهر. وهنا تتحول الممارسة المتكررة إلى ما يشبه «نظامًا من الأعراف» داخل عالمه الفني.

* ديناميات التفاوض والصراع داخل شبكة التعاون

غير أن «عالم الفن» عند بيكر ليس فضاءً منسجمًا ومثاليًا طوال الوقت؛ بل هو ساحة لمفاوضات مستمرة وضغوط متبادلة بين مختلف الفاعلين. وفي حالة الساهر، يتجلى هذا البعد في إدارة التوتر الدائم بين خياراته الجمالية الشكليّة وبين إكراهات شباك التذاكر ورغبات الجمهور المختلفة. إن تقديم قصيدة فصحى مركبة لنزار قباني أو بدر شاکر السياب يفرض نوعًا من "التفاوض الصامت" مع الموزع الموسيقي لصياغة بنية أوركسترالية غربية دون التضحية بالهوية المقامية الشرقية، ومع المنظمين والشركات للقبول بنص قد يبدو طليعيًا أو غير جماهيري بمقاييس السوق العادية. قدرة الساهر على الاستمرار لا تعود فقط إلى فرض إرادته، بل إلى مهارته كـ «مُدير شبكة» يتقن صياغة التسويات الفنية التي تحافظ على التوازن بين الطليعية والانتشار.

* تقسيم العمل والتخصص: ثبات الفرقة الموسيقية

يؤكد بيكر أن نجاح أي عمل فني يرتبط بتقسيم دقيق للعمل وتخصص عالي الكفاءة في الفنون المساندة. ويتضح هذا المفهوم جليًا في البنية المؤسسية للفرقة الموسيقية المرافقة للساهر. إن استمرار عدد كبير من العازفين والموسيقيين إلى جواره لعقود من الزمن يحول الفرقة من مجرد «مؤدين خلف المغني» إلى جزء لا يتجزأ من الماكينة الإبداعية للمؤسسة. هذا الثبات يخلق تراكمًا معرفيًا وضمنيًا (Tacit Knowledge) بين الساهر وعازفيه، مما يجعل الأداء المسرحي يدار بكفاءة عالية ويسمح بالارتجال الخلاق والاستجابة لطقوس الجمهور دون الخروج عن الهيكل الصوتي الدقيق للمشروع.

* الجغرافيا المهاجرة

يتسع عالم الفن أيضًا عبر الجغرافيا وشبكات التوزيع المكاني. لم يتشكل عالم الساهر داخل مركز جغرافي واحد؛ بل تنقل عبر بيئات ومحطات ثقافية متعددة، بدءًا من المركز البغدادي ببيئته ومقاماته، مرورًا بدمشق وبيروت والقاهرة، وصولًا إلى العواصم الأوروبية كباريس. هذا الترحال لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل ساهم في توسيع شبكة التعاون الفني لتضم شعراء وموزعين وموسيقيين من خلفيات متعددة. كما أن تقاطعه مع جمهور الشتات والمهجر العربي حول التجربة الساهرية من ظاهرة غنائية محلية إلى «علامة ثقافية عربية عابرة للحدود»، ووعاء رمزي يتسع للذاكرة المشتركة وجماليات الحنين والشتات.

* الجمهور ليس متفرجًا فقط: صناعة الذاكرة الجمعية في النظرة التقليدية، يوجد: الفنان و الجمهور (اي ان الفنان ينتج، والجمهور يستهلك). لكن المنظور السوسيولوجي أكثر تعقيدًا؛ فالجمهور يشارك في إعطاء العمل قيمته الاجتماعية من خلال الاستماع، والطلب، والحضور، والتفاعل، والتداول، وإعادة تفسير الأغاني وربطها بتجارب حياته. لذلك فإن الجمهور ليس مجرد مستهلك سلبي. عندما ترتبط أغنية معينة بذكريات الحب أو الشباب أو السفر أو الفراق أو الوطن، فإنها تتحول من مادة موسيقية إلى وعاء للذاكرة. قد يسمع شخص أغنية قديمة للساهر بعد سنوات طويلة، فتستعيد الأغنية معه مرحلة كاملة من حياته، وتصبح جزءًا من السيرة الاجتماعية للفرد. ومع تكرار ذلك لدى ملايين المستمعين، يصبح الفنان حاضرًا في الذاكرة المشتركة لجمهور واسع. وهنا يمكن دراسة الساهر بوصفه فاعلًا في إنتاج الذاكرة العاطفية والثقافية.

* الحفلة: إعادة إنتاج المؤسسة أمام الجمهور تظهر هذه المؤسسة الفنية بصورة أكثر وضوحًا في الحفلات. الحفل ليس مجرد رجل يغني أمام الناس، بل نظام كامل: المسرح، الأوركسترا، الإضاءة، الصوت، التقنيات، إدارة الحفل، الجمهور، وسائل الإعلام، والتناغم الطقسي الذي يرافق حضور الفنان. وعندما يدخل الساهر إلى المسرح، فإن الجمهور لا يستقبل «صوتًا» فقط، وإنما يستقبل شخصية فنية أصبحت محملة بكم هائل من المعاني السابقة. لذلك يمكن النظر إلى الحفل باعتباره لحظة يلتقي فيها عالم الإنتاج الفني بعالم التلقي الاجتماعي لإعادة تأكيد القيمة الرمزية للمؤسسة.

* كاظم الساهر كـ«مؤسسة» رمزية بعد عقود من العمل، يصبح اسم الفنان نفسه حاملًا لمجموعة من المعاني. فعندما يسمع المستمع اسم كاظم الساهر، قد لا يفكر في صوت فقط، بل في: الشعر، الحب، العراق، القصيدة الفصحى، الرومانسية، المسرح، والذاكرة العربية المشتركة. وهنا يتحول الاسم إلى علامة ثقافية ورأس مال رمزي حقيقي. وهذا هو المعنى المقصود عندما نقول: كاظم الساهر بوصفه مؤسسة فنية كاملة؛ ليس لأنه مؤسسة قانونية، وإنما لأن مشروعه أصبح يحتوي على شبكة من الأشخاص والممارسات والقواعد والموارد والجمهور والذاكرة.

* تقاطع «عالم الفن» مع «الحقل الفني»: بيكر وبورديو في قراءة الظاهرة الساهرية

إذا كان هوارد بيكر يمنحنا منظاراً شبكياً وتفاعلياً أفقياً لرؤية كيف يُنتَج الفن عبر «شبكات التعاون» و«الأعراف المشتركة»، فإن عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (Pierre Bourdieu) يقدم منظاراً بنيوياً ورأسياً يُكمل هذه الصورة من خلال مفهومي «الحقل الفني» (Field of Cultural Production) و«رأس المال الرمزي» (Symbolic Capital).

1- من الشبكة التفاعلية إلى الحقل والمنافسة:

يرى بيكر أن "عالم الفن" هو مساحة تعاون بين فاعلين متساوين وظيفياً لإنتاج العمل الفني. أما بورديو، فيرى «الحقل» كفضاء من الصراع والمنافسة على فرض مشروعية الشرعية الجمالية (Who decides what is good art?). وفي حالة الساهر، فإن تحوله إلى "مؤسسة" لم يكن مجرد نتيجة تعاون سلس، بل كان نتيجة صراع خاضه داخل الحقل الغنائي العربي لإعادة تشكيل القواعد؛ حيث فرض القصيدة الفصحى الموزونة والأداء الأوركسترالي المركب في عصر كان يتجه نحو تبسيط الأغنية الاستهلاكية.

تراكم «رأس المال الرمزي» والشرعية:

«رأس المال الرمزي» عند بورديو هو الهيبة والاعتراف والشرعية التي يحوزها الفاعل داخل الحقل. لقد استطاع كاظم الساهر، عبر عقود من الاستثمار في القصيدة النزارية، تحويل رصيده الفني إلى "رأس مال رمزي" هائل. هذا المقدار من الاعتراف الرمزي هو ما يمنح الساهر السلطة للتحكم في مشروعه، وااختيار نصوص شعريّة غير جماهيرية، وفرض شروطه الإنتاجية والتنظيمية على الشركات والمهرجانات.

التركيب المنهجي بين الأطروحتين:

إن الدمج بين بيكر وبورديو يتيح لنا فهم ظاهرة كاظم الساهر في كليتها:

بيكر يفسر لنا كيف تعمل الماكينة اليومية للأغنية الساهرية (التنسيق بين الشاعر والموزع والفرق والجمهور). بورديو يفسر لنا كيف اكتسبت هذه الماكينة شرعيتها وهيمنتها الرمزية في الثقافة العربية، وكيف تحول اسم الساهر من مجرد فاعل داخل الحقل إلى مرجعية تُحدد معايير "الذوق الرفيع" و"الأغنية العربية الأصيلة".وبذلك، لا تعود "المؤسسة الساهرية" مجرد شبكة تعاونية إنتاجية، بل تتجسد كمركز قوة رمزي يمتلك سلطة التثمين الفني وصناعة الذائقة الجمعية. إن النظر إلى كاظم الساهر بوصفه «مؤسسة فنية كاملة» لا يعني إلغاء موهبته الفردية أو إنكار دوره الإبداعي، وإنما يعني وضع هذه الموهبة داخل البيئة الاجتماعية والشبكية والبنيوية التي جعلت ظهورها وانتشارها واستمرارها ممكنًا. لا ننسى ان الساهر هو شاعر يكتب الاغاني، وهو ايضا ملحن محترف وعازف ومؤلف موسيقي خطير سوف لن تنجب البشرية مثيلا له.

ملاحظة تحريرية

تعود حقوق النص والصور والأعمال المذكورة إلى أصحابها، ويُذكر الكاتب والمصدر وفق المعلومات المقدّمة لهيئة التحرير.

العودة إلى القسم ←